عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

91

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

فيحصل لهم ببركة هذه الحالة من الزيادة ما لا يمكن شرحه وذلك أنهم يسمعون ويشهدون حينئذ بالسمع والبصر المحمّدي ما هو مناسب للقابلية المحمّدية التي ليس في ذات أحد قوتها ، فيخلع عليهم إذ ذاك من الخلع المحمدية ما لا يمكن حصولها إلا بهذه الطريقة . ومن ثمّ قال شيخنا الشيخ أبو الغيث بن جميل : خضنا بحرا وقف الأنبياء على ساحله يعني بذلك : بحر الشريعة التي هي مخصوصة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم دون غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . ولهذا من تحقّق بالسنّة المحمّدية ظاهرا وباطنا خاض بحر الحقيقة المحمّدية التي خاضها هو وأمثاله بكمال الاتّباع المحمّدي صورة ومعنا ؛ لأخذه الأشياء من اللّه تعالى في بعض الحضرات بالقابلية المحمّدية كما سبق بيانه ، فإذا علمت ذلك وتحققته فالزم سبيل جنابه ولازم الوقوف ببابه ، فإذا قلت : لا أدري كيف هذا التعلق والملازمة بهذا الجناب العظيم والنبي الكريم ؟ قلنا : إن التعلّق بمحمد صلى اللّه عليه وسلم على نوعين : النوع الأول : هو التعلّق الصوري بالجناب النبوي ، وهو على قسمين : القسم الأول : هو الاستقامة على الكمال الاتّباع له بمواظبة ما أمر به الكتاب والسنّة قولا وفعلا واعتقادا على ما هو عليه أحد الأئمة الأربعة : أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي وابن حنبل رضي اللّه عنهم ؛ إذ قد وقع إجماع العلماء المحققين بأن هؤلاء المذكورين من الأئمة هم أهل الحق ، وهم الفرقة الناجية إن شاء اللّه يوم القيامة ، ومن كمال هذا القسم من الاتّباع الصوري أن تعتمد فعل عزائم الأمور ولا تركن إلى الرخص . فإن اللّه أمر النبي بارتكاب العزائم في قوله تعالى : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] . فأمره أن يصبر صبرا كصبر أولي العزم دون غيرهم ، وقيل : إنهم خمسة صلوات اللّه عليهم وهم المذكورون بالتصريح في هذه الآية وهي : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشورى : 13 ] .